محمد أبو زهرة

1356

زهرة التفاسير

بأوصاف هي علة هذه الخيرية ، ومناط تلك الرفعة الإلهية . وتلك الأوصاف هي : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان باللّه ، وقوله تعالى : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ موقعها من الإعراب إما أن تكون جملة حالية من ضمير الخطاب ، وإما أن تكون كلاما مستأنفا مفصولا ، ولذا قال الفخر الرازي في التفسير الكبير : « اعلم أن هذا الكلام مستأنف ، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية كما تقول : زيد كريم ، يطعم الناس ويكسوهم ، ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه : « أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ؛ فهنا حكم بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ثم ذكر عقيبه علة هذا الحكم » . هذا ، ويصح أن نقول : إن الحكم بالخيرية مبهم ، وقد بينه سبحانه بقوله : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فالخيرية التي حكم سبحانه وتعالى بها هي هذه الأوصاف ، وهذا ينطبق على المثل الذي ساقه الرازي ، وهو ، فلان كريم : يطعم ويكسو ، فإن يطعم ويكسو تفسير لمعنى كرمه ، وبيان له ، فالاستئناف إذن ليس لأن جملة « تأمرون » علة للخيرية ، بل هي بيان للخيرية ، ولذلك لا ينطبق الحكم بالخيرية على من لا يتصف بهذه الصفات ، فالجماعات التي تهمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يكون فيها إيمان ، لا يمكن أن تكون خير أمة ، بل لا توصف بالخيرية قط ؛ لأنه لا خير إلا في الفضائل والحق والعدل ، ولا تقوم هذه الأمور إلا بالإيمان وقيام رأى عام مهذّب لائم يقوم المعوج ، وتنزوى فيه الرذائل انزواء ، إذ يقتلها نوره المشرق وشمس الحقيقة الناصعة . وهنا قد يسأل سائل : لما ذا قدم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإيمان ؟ ولما ذا اقتصر في الإيمان على الإيمان باللّه ، ولم يذكر الإيمان بالرسل والملائكة واليوم الآخر والحساب والعقاب وغير ذلك مما يوجبه الإيمان ، ولا يعد الشخص مؤمنا إلا به ؟ ويجاب عن السؤال الأول : بأن ذكر الأمر بالمعروف والنهى